الشيخ محمد علي الأنصاري

49

الموسوعة الفقهية الميسرة

فقد قام - هذا الفقيه - على ساقيه ، مشمّرا عن ساعديه ، ومتمثّلا بقول علي عليه السلام : « انظر إلى ما قال ولا تنظر إلى من قال » ، وبقول الجاحظ : « ما على الناس شرّ أضرّ من قولهم : ما ترك الأوّل للآخر شيئا » « 1 » ، وبكلام آخرين ممّا يهيج بعزيمة الإنسان نحو التحقيق ، فقال : إنّ طريق الحقّ عنده : « إمّا كتاب اللّه سبحانه أو سنّة رسوله صلّى اللّه عليه وآله المتواترة المتّفق عليها ، أو الإجماع ، أو العقل ، فإذا فقدت الثلاثة فالمعتمد في المسائل الشرعيّة عند المحقّقين الباحثين عن مأخذ الشريعة : التمسّك بدليل العقل فيها ، فإنها مبقاة عليه ، وموكولة إليه . . . » « 2 » . ثمّ قال في نهاية المطاف : « فعلى الأدلّة المتقدّمة أعمل ، وبها آخذ وأفتي وأدين اللّه تعالى ، ولا ألتفت إلى سواد مسطور ، وقول بعيد عن الحقّ مهجور ، ولا اقلّد إلّا الدليل الواضح ، والبرهان اللائح ، ولا اعرّج إلى أخبار الآحاد . . . » « 3 » . وابن إدريس وإن أعطى زخما جديدا للحركة الاجتهادية ، لكنه لم تدم طريقته ؛ لأنه كان يرفض العمل بالخبر الواحد غير المحفوف بالقرينة كما كان يرفضه الشيخ المفيد والسيد المرتضى قدّس سرّهما من قبله ، وسديد الدين الحمصي وابن زهرة قدّس سرّهما من معاصريه ، فهؤلاء كلهم ما تمكّنوا من تثبيت طريقتهم في الفقه ، بل كان النجاح للطريقة المعاكسة التي اتبعها الشيخ الطوسي قدّس سرّه ومن تبعه ، وهي الاعتماد على خبر الواحد المعتبر وإن لم يكن محفوفا بالقرينة ، ولا زالت هذه الطريقة هي المتبعة إلى اليوم . ومهما يكن فقد جاء بعد ابن إدريس الحلّي قدّس سرّه دور المحقّق الحلّي قدّس سرّه المتوفّى ( 676 ) فكان له الدور الكبير في إحياء الاجتهاد على طريقة الشيخ ، والاعتماد

--> ( 1 ) السرائر 1 : 45 . ( 2 ) السرائر 1 : 46 . ( 3 ) السرائر 1 : 51 .